المافيا و اسطنبول 2
كانت الليلة تمطر بغزارة، الشوارع تغرق بالماء، والمدينة تبدو وكأنها تغسل خطاياها التي لا تنتهي. في أحد المستودعات على أطراف الميناء، كان اجتماع خطير يجمع كبار رجال المافيا التركية. هناك صراع خفي بين عائلتين قويتين: عائلة كرهان التي يسيطر عليها الزعيم الذي يتبع له أشرف، وعائلة أوزدمير المنافسة التي تحاول السيطرة على طرق التهريب. الأجواء مشحونة، كل كلمة يمكن أن تشعل حرباً دامية.
جلس الزعيم على رأس الطاولة، وبجانبه سامي وأشرف. كان الجميع يتحدث عن الصفقة القادمة التي تتعلق بتهريب أسلحة عبر البحر. فجأة اقتحم رجال مسلحون المكان، تبادل إطلاق نار عنيف، سقط بعض الرجال أرضاً، واضطر أشرف إلى حمل سلاحه والدفاع عن نفسه. كان القتال شرساً، الرصاص يتطاير في كل اتجاه، والدم يلطخ الأرض. في تلك اللحظة، أظهر أشرف شجاعة غير متوقعة، أنقذ الزعيم من كمين محكم، ما جعله يحظى باحترام الرجال، لكن ذلك أيضاً أشعل نار الغيرة في قلب سامي الذي بدأ يخطط للتخلص منه.
في الجهة الأخرى من المدينة، جلست سارة في سيارتها الصغيرة تتواصل عبر جهاز سري مع العقيد المسؤول عن العملية. أخبرته أن حرباً بين العائلات بدأت تلوح في الأفق، وأن الفرصة قد تكون قريبة للإطاحة بكلا الطرفين. لكن صوتها ارتجف حين ذكر اسم أشرف، لم تستطع أن تخفي قلقها عليه، على الرغم من أنه جزء من العصابة. العقيد لاحظ ذلك وقال بصرامة: "احذري يا سارة، لا تدعي مشاعرك تتدخل، هذا الرجل مجرم، وعليك أن تتذكري مهمتك."
مع حلول منتصف الليل، التقت سارة وأشرف صدفة في مقهى قديم على ضفة البوسفور. كان المكان شبه فارغ، ضوء خافت يلمع فوق الطاولات الخشبية. جلست سارة وهي تحاول التظاهر بالبرود، لكنه جلس أمامها مباشرة وقال بصوت منخفض: "رأيت الموت الليلة، ورغم ذلك… الشيء الوحيد الذي فكرت فيه هو أنت." ارتبكت سارة، لم تعرف كيف ترد، لكنها همست: "أشرف، أنت تسير في طريق خطير، إذا استمريت فيه فلن تجد سوى النهاية." نظر إليها بتمعن وقال: "وأنتِ؟ من تكونين حقاً؟ أشعر أنك لستِ مجرد موسيقية… عينيكِ تخفيان أكثر مما تقولين."
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، سُمعت أصوات انفجارات في الخارج، هرع الناس من المقهى، وأشرف وقف بسرعة، أمسك يد سارة وسحبها إلى الخارج للاحتماء. المشهد في الشارع كان مرعباً، سيارات محترقة، رجال مسلحون يتصارعون، إنها بداية الحرب بين عصابتي كرهان وأوزدمير. سارة لم تفهم ماذا يحدث، لكن أشرف كان يعرف أن هذا مجرد البداية، وأن القادم سيكون أكثر دموية.
في النهاية، بعد أن هدأ القتال قليلاً، نظر أشرف إلى سارة وعيناه مليئتان بالغضب والحيرة وقال: "هذه المدينة تحكمها الدماء… لكني لا أريد أن أكون مجرد قطعة في هذه اللعبة. أنتِ ربما تكونين طوق النجاة الوحيد لي." سارة شعرت للحظة أنها أمام رجل لا يشبه الآخرين، رجل عالق بين المافيا والحرية، بين العنف والحلم، لكنها أدركت أيضاً أن وجودها بجانبه قد يغير مسار مهمتها كلها.
كانت إسطنبول في تلك الليلة أشبه ببركان على وشك الانفجار. شوارعها المزدحمة لم تعرف الهدوء، فالخوف يسيطر على التجار وأصحاب المحال، والهمسات تنتشر في الأزقة عن حرب وشيكة بين أكبر عائلتين مافيا في المدينة: كرهان وأوزدمير. كل طرف يحشد رجاله، وكل رصاصة في الخفاء هي إعلان عن معركة أكبر قادمة.
في قصر ضخم يطل على البوسفور، كان الزعيم كرهان يعقد اجتماعاً مع رجاله. جلس على رأس الطاولة الطويلة، أمامه خرائط لشحنات الأسلحة والمخدرات التي ستصل عبر البحر الأسود. بجانبه سامي الذي لا يفارق ظله، وفي الطرف الآخر جلس أشرف، هادئ الملامح لكنه متأهب كعادته. قال الزعيم بصوت غليظ: "أوزدمير أعلن الحرب، يريد السيطرة على الميناء الشرقي، وهذا لن يحدث ما دمت على قيد الحياة. غداً سنهاجم مخازنهم، وأريد أن أرى كل واحد منكم مستعداً."
سامي ابتسم بخبث، التفت إلى أشرف وقال: "لكن، يا زعيم، هل تثق بالجميع؟ بعض الرجال هنا دخلوا حديثاً إلى عالمنا، ولا نعرف ولاءهم." كانت كلماته سهماً مسموماً موجهاً نحو أشرف. لكن الزعيم رد بحدة: "أشرف أثبت ولاءه، أنقذني من الموت، وهذا يكفي. أما من يشكك فيه… فسأعتبره هو الخائن." صمت المكان فجأة، وسامي كتم غضبه، لكنه أقسم في داخله أن يجعل أشرف يدفع الثمن.
في الجهة الأخرى من المدينة، جلست سارة في شقتها الصغيرة، أمامها ملفات وصور وأجهزة تسجيل. الشرطة السرية كانت تضغط عليها لجمع المزيد من الأدلة عن تحركات العصابتين، لكن عقلها كان مشوشاً. كلما تذكرت عيني أشرف وكلماته، شعرت بتناقض غريب، كأنها عالقة بين واجبها ومشاعرها. وضعت رأسها بين يديها، ثم همست: "يا إلهي، في أي ورطة وضعت نفسي؟"
مع بزوغ الفجر، تحركت قوافل سيارات سوداء من ضفتي إسطنبول. رجال المافيا من العائلتين خرجوا مدججين بالسلاح، وجهاً لوجه في شوارع الميناء الشرقي. صوت الرصاص مزق الصمت، وانفجارات هزت المخازن، الدماء سالت على الأرصفة. كانت حرباً مفتوحة، حرباً لا مكان فيها للرحمة. أشرف كان في الصفوف الأمامية، يقاتل بجسارة، عيونه تبحث عن أي خائن بين رجاله. في لحظة حاسمة، اكتشف أن أحد أفراد العصابة أعطى إحداثيات الهجوم لأوزدمير. وعندما أمسكه من عنقه، صرخ الرجل قبل أن يلفظ أنفاسه: "سامي… هو من أرسلني."
كلمات الخائن سقطت كالصاعقة في قلب أشرف. تذكر نظرات سامي المليئة بالغيرة والحقد، أدرك أن الحرب لم تكن فقط ضد أوزدمير، بل حرب داخلية، حرب خيانة تنخر جسد العصابة من الداخل. لكن قبل أن يواجه سامي، دوى انفجار ضخم في المخزن، ألسنة اللهب ارتفعت إلى السماء، والرصاص استمر يتطاير في كل اتجاه.
في مكان آخر، كانت سارة تراقب كل شيء من سيارة الشرطة المتخفية. عيناها تتسعان كلما رأت الدماء تسيل في شوارع الميناء. حين ظهر أشرف وسط النيران والرصاص، شعرت بخوف حقيقي عليه. تحدثت في جهاز الاتصال: "يجب أن نتدخل وإلا سيُقتل الجميع!" لكن العقيد رد ببرود: "لا… دعهم ينهكون بعضهم. هذه فرصتنا لننهيهم جميعاً."
مع سقوط الليل مجدداً، خمدت أصوات الرصاص، لكن المدينة بقيت مشتعلة بالخوف. عائلة أوزدمير خسرت الكثير، لكنهم ما زالوا واقفين. أما كرهان، فقد خرج من المعركة وهو ينزف، وعيونه تتساءل: من خانه؟
جلس أشرف على حافة الرصيف، يده ملطخة بالدم، عينيه زجاجيتان من الصدمة. اقتربت منه سارة خفية، جلست بجانبه وهمست: "ستدمر نفسك إذا بقيت في هذا العالم… لا تستحق أن ينتهي بك المطاف مثلهم." رفع رأسه إليها، صوته متعب لكنه حاد: "لا أفكر بالخروج… قبل أن أعرف من دمر حياتي من الداخل."
وفي مكان مظلم آخر من إسطنبول، جلس سامي على مائدة مع رجال أوزدمير، ابتسامة انتصار على وجهه. قال لهم: "الحرب بدأت… وسأجعل أشرف يسقط بين أقدامنا، فقط انتظروا."
هكذا تنتهي الحلقة الرابعة، على أبواب حرب أكبر ستشتعل في قلب إسطنبول، حيث الخيانة والحب والدماء يختلطون في لعبة لا يخرج منها أحد دون ثمن.
تعليقات
إرسال تعليق