في أزقة إسطنبول الضيقة كانت الليلة باردة يملؤها الضباب، والمدينة كعادتها لا تنام، الأضواء المتناثرة فوق الجدران القديمة تعكس وجوهاً لا تحمل سوى التعب. وسط تلك الأزقة كان أشرف يركض بخطوات سريعة، يتنفس بصعوبة، بينما أنفاسه تتلاشى في الهواء مثل دخان كثيف. في يده حقيبة صغيرة سرقها مع رفاقه من متجر مجوهرات صغير، كان قلبه يخفق كطبول حرب، ليس لأنه يخشى الإمساك به فحسب، بل لأنه بات يعرف جيداً أن كل خطوة جديدة في هذا الطريق تبتعد به أكثر عن الحلم الذي يطارده في داخله منذ طفولته.
أشرف لم يكن رجلاً عادياً، بل شاباً يحمل داخله جرحاً قديماً لم يلتئم، فقد والديه وهو صغير وعاش متنقلاً بين الشوارع ودور الرعاية، لم يعرف الأمان يوماً، فتعلم أن يكون قاسياً ليبقى على قيد الحياة. ومع مرور السنوات وجد نفسه في قلب عصابة قوية، يقودها رجال لا يعرفون الرحمة. لكنه، على الرغم من قسوته الظاهرة، كان يحتفظ في قلبه بحلم صغير، حياة جديدة بعيدة عن السلاح والدم، حياة مليئة بالسلام والابتسامة، لكن هذا الحلم كان دائماً أبعد من أن يلمسه.
في تلك الليلة المشؤومة، تلقى أشرف دعوة مع رفاقه لحضور سهرة في أحد الملاهي الفاخرة، المكان الذي يجتمع فيه رجال الأعمال المظلمون وتجار النفوذ، حيث تُعقد الصفقات في الظل ويُرسم مستقبل الجرائم الكبيرة خلف كؤوس الخمر والضحكات المزيفة. دخل أشرف المكان بخطوات ثابتة، عيناه تتفحصان كل ركن بحذر، بينما عقله يراقب كل حركة حوله. وبينما كان الضجيج يملأ القاعة، انقطعت الأصوات فجأة في أذنه حين ارتفع عزف الكمان.
رفع رأسه ليرى امرأة تقف على المسرح، أناملها تتحرك برقة على الأوتار، ونغماتها تتسلل إلى قلبه مثل نسمة دافئة تخترق الصقيع. كانت سارة، عازفة كمان موهوبة، ملامحها تحمل شيئاً من الغموض، ابتسامتها هادئة لكن عينيها تخفيان قلقاً لا يراه سواها. لم يكن أحد يعلم أن سارة لم تأتِ لتطرب الحضور فقط، بل لتنفذ مهمة سرية خطيرة، فهي تعمل متخفية لصالح وحدة مكافحة الجريمة، مهمتها جمع المعلومات عن العصابة التي ينتمي إليها أشرف، وإرسالها في صمت لمن ينتظرونها خارج أسوار الملهى.
حين التقت عيناها بعينيه، توقفت اللحظة للحظة أطول من المعتاد، لم يعرف أشرف كيف يفسر ما شعر به، كان في داخله خليط من الانجذاب والريبة، كأن هذه المرأة جاءت لتعيد ترتيب حياته دون أن يدرك. أما سارة، فقد رأت في عينيه شيئاً لم تجده في الآخرين، صراعاً يائساً بين الخير والشر، كأنه رجل يعيش على حافة الهاوية. حاولت أن تتجاهل ذلك الشعور، لكنها لم تستطع أن تنكر أن وجوده أثار في داخلها ارتباكاً لم تتوقعه.
في زاوية أخرى من القاعة، كان سامي، الذراع اليمنى للزعيم، يراقب المشهد بعينين حادتين. سامي رجل شرس وطموح، لا يرى في العالم سوى فرصة للسيطرة، وقد لاحظ بسرعة أن أشرف ينظر إلى سارة بطريقة لم تعجبه. اقترب منه بخطوات بطيئة وهمس في أذنه ببرود: "انتبه… هذه المرأة ليست لك، ولا تترك نفسك تضعف أمام أي شيء يلهيك عن الطريق." لكن في صوته لم يكن تحذيراً فقط، بل غيرة دفينة ورغبة في إبعاد أشرف عن أي مصدر قوة أو أمل قد يملكه.
مع انتهاء السهرة، حملت سارة حقيبتها بهدوء وغادرت المسرح بخطوات رشيقة، خرجت إلى الشارع حيث كانت سيارة سوداء بانتظارها. فتحت الباب وجلست دون أن تلتفت كثيراً، وكأنها اعتادت حياة الأسرار والمطاردات. أما أشرف، فقد وقف في زاوية مظلمة خارج الملهى، يراقبها بصمت، عيناه لا تفارقان السيارة حتى ابتلعتها ظلمة الشارع البعيد. شعر أن هذه المرأة ليست مجرد موسيقية عابرة، بل لغز كبير قد يكون مفتاحاً لمصيره، أو ربما نهايته.
في تلك اللحظة، ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، وتمتم بصوت خافت بالكاد يُسمع: "من أنتِ بالضبط يا سارة؟"
..
..
كانت شمس الصباح تشرق على إسطنبول ببطء، والمدينة تستيقظ على ضجيج لا يهدأ. في حي قديم على أطراف المدينة، جلس أشرف على سطح مبنى متهالك، سيجارة بين أصابعه وعيناه معلقتان بالأفق. كان الليل السابق ما زال عالقاً في ذهنه، صورة سارة وهي تعزف، نظراتها الغامضة، السيارة السوداء التي اختفت في الظلام. لم يفهم لماذا ظل يفكر فيها، لكنه كان متأكداً من شيء واحد: هذه المرأة ليست مثل غيرها.
في الوقت نفسه، كانت سارة تجلس في غرفة صغيرة داخل مبنى قديم تستخدمه الشرطة كمركز سري. وضعت حقيبتها على الطاولة، فتحتها وأخرجت جهاز تسجيل صغيراً يحتوي على تفاصيل محادثات سمعتها في الملهى. بجانبها جلس العقيد المسؤول عن العملية، رجل في الخمسين من عمره، ملامحه صارمة. قال لها بجدية: "أحسنتِ يا سارة، لكن احذري… الأشخاص الذين نتعامل معهم ليسوا سهلين، وأخطرهم ذلك الشاب الجديد… أشرف." رفعت رأسها فجأة حين سمعت اسمه، تذكرت نظراته في الملهى، ذلك الصراع في عينيه، وتساءلت في سرها: كيف أصبح هذا الرجل جزءاً من عالم العصابات؟
في المساء، اجتمع رجال العصابة في مستودع قديم بالقرب من الميناء. كان المكان يعج بالدخان، والخرائط مبسوطة على الطاولات. الزعيم جلس في الوسط، حوله رجاله المخلصون، وعلى يمينه سامي الذي لم يُخفِ ضيقه من وجود أشرف. قال الزعيم بصوت غليظ: "لدينا صفقة كبيرة قادمة، وأريد أن أثق في كل رجل يقف هنا." نظر مباشرة إلى أشرف، ثم تابع: "أنت شاب قوي يا أشرف، لكنك جديد بيننا، هذه الصفقة ستثبت لنا إن كنت جديراً بالبقاء."
لم يرد أشرف، اكتفى بإيماءة خفيفة، لكنه شعر بثقل الكلمات على كتفيه. كان يعرف أن أي خطأ قد يعني نهايته. سامي ابتسم ابتسامة ساخرة وقال: "لا تقلق يا زعيم، أنا سأراقب كل شيء… لن نسمح لأحد أن يفسد الصفقة." نظر إلى أشرف بنظرة حادة، كأنه يرسل له تحدياً مباشراً.
وفي الليلة نفسها، كانت سارة تعزف في فندق آخر، عزفها يملأ القاعة بالهدوء. لكنها لم تكن مركزة على الموسيقى بقدر ما كانت عيناها تبحثان في الوجوه. فجأة، رأت أشرف يدخل القاعة مع بعض رجال العصابة. قلبها خفق بسرعة، حاولت أن تحافظ على رباطة جأشها، لكنها لم تستطع منع نفسها من النظر إليه مرة أخرى. هذه المرة، التقت نظراتهما طويلاً، أطول من الليلة السابقة، وكأن كلاً منهما يقرأ سراً في عيني الآخر.
بعد انتهاء الحفل، خرجت سارة من الباب الخلفي للفندق. فجأة وجدت أشرف واقفاً هناك، مستنداً إلى الحائط بانتظارها. ارتبكت للحظة، لكنها حاولت التظاهر بالهدوء وقالت: "أنت هنا؟" أجاب بابتسامة غامضة: "ربما كنت أريد أن أسمعك تعزفين مرة أخرى… أو ربما أردت أن أعرف من أنتِ حقاً." شعرت بالقلق من نبرته، لكنها ردت بحذر: "أنا مجرد موسيقية، لا أكثر." ضحك بخفة وقال: "لا، أنتِ لستِ مجرد موسيقية… هناك شيء تخفينه."
في تلك اللحظة، اقتربت سيارة سوداء بسرعة وتوقفت أمامهما. نزل منها سامي بخطوات غاضبة، نظر إلى سارة ببرود ثم التفت إلى أشرف قائلاً: "الزعيم ينتظرنا، ليس لدينا وقت لنضيعه مع العازفات." حدق في سارة نظرة تهديدية جعلتها تشعر بخطر حقيقي. أشرف لم يرد، لكنه نظر إلى سارة نظرة طويلة قبل أن يركب السيارة.
عادت سارة إلى شقتها الصغيرة تلك الليلة وهي تشعر بثقل كبير في قلبها. جلست أمام المرآة، نظرت إلى وجهها وتساءلت: هل ما زالت تسيطر على اللعبة، أم أن وجود أشرف بدأ يربك مهمتها؟ أما أشرف، فقد جلس في المقعد الخلفي للسيارة، عيناه شاردتان، لا يسمع كلمات سامي ولا حتى أوامر الزعيم. كان يفكر فقط بعزف الكمان، بابتسامة سارة، بذلك السؤال الذي لم يجد له إجابة: من أنتِ حقاً؟
تعليقات
إرسال تعليق